ابن عبد الرحمن الملطي
71
التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع
اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ) [ 210 ] ، فهذان شاهدان . ومنهم المزدكية : وهم صنف من الزنادقة وذلك أنهم زعموا أن الدنيا خلقها الله خلقا واحدا وخلق لها خلقا واحدا وهو آدم جعلها له يأكل من طعامها ويشرب من شرابها ، ويتلذذ بلذائذها ، وينكح نساءها ؛ فلما مات آدم جعلها ميراثا بين ولده بالسوية . ليس لأحد فضل في مال ولا أهل ، فمن قدر على ما في أيدي الناس وتناول نساءهم بسرقة ، أو خيانة . أو مكر . أو خلابة . أو بمعنى من المعاني فهو له مباح سائغ وفضول ما في أيدي ذوى الفضل محرم عليهم يصير بالسوية بين العباد سواء وإنما سموا مزدكية لأنه ظهر في زمن الأكاسرة رجل يقال له مزدك فقال هذه المقالة . كذب أعداء الله ، والله يقول : ( نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) [ 211 ] وقال ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً * وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ) [ 212 ] . ومنهم العبدكية زعموا أن الدنيا كلها حرام لا يحل الأخذ منها إلا القوت ، من حين ذهب أئمة العدل ، ولا تحل الدنيا إلا بإمام عادل وإلا فهي حرام ، ومعاملة أهلها حرام ، فحل لك أن تأخذ القوت من الحرام من حيث كان وإنما سموا العبدكية لأن عبدك وضع لهم هذا ودعاهم إليه اليوم وأمرهم بتصديقه . كذب أعداء الله ، قال الله عز وجل : ( وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا ) [ 213 ] وما أحل له القوت إلا للمضطرين ، ولم تحل الصدقة لعنى ولا لذي مرة سوى ، كذا وكذا رواه عبد الله بن عمر ، وقال رسول الله : « لغنى ولا لذي مرة سوى » . ومنهم الروحانية : وهم أصناف ، وإنما سموا : الروحانية لأنهم زعموا أن أرواحهم تنظر إلى ملكوت السماوات ، وبها يعاينون الجنان ، ويجامعون الحور العين ، وتسرح في الجنة ، وسموا أيضا : الفكرية لأنهم يتفكرون ، زعموا في هذا حتى يصيرون إليه